أَنــا البَـحرُ فـي أَحـشائِهِ الـدُّرُّ كـامِنٌ
فَـهَل سَـأَلوا الغَوّاصَ عَـن صَـدَفـاتي ؟
وَسِـعْتُ كِـتابَ اللهِ لَفْظاً و غـايَةً
وَ ما ضِـقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَ عِظاتِ
فَـكَيْفَ أَضِيقُ اليَـوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ
وَ تَـنْسِيقِ أَسْماءٍ لِـمُخْتَرَعاتِ ؟ .
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
إنّ اللغة العربية فخرنا وَ هويتنا وَ تارخنا ..
ولنتوقف عند مصطلح «اللغة العربية» فإذا أردت أن تتعلم شيئاً وتفهمه فلا بد أن تبدأ بمعرفة معنى اسمه ..
فكلمة «اللغة» في أصلها اللغوي مشتقة من «لَغَا»، أي تكلم ونطق .
أما اصطلاحاً ، فاللغة هي نظام من الأصوات والرموز والألفاظ ، يستخدمه أفراد المجتمع للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم والتواصل فيما بينهم .
أما بعد ،
وجدت اللغة العربية قبل الإسلام ، واعتز بها العرب ، وحافظوا عليها من التغيير والتحريف . وقد تنوعت لهجات العرب قديما بتنوع القبائل ، وكانت لغة قريش تُعدُّ من أفصح اللهجات وأقربها إلى الفصاحة والبلاغة .
وعندما جاء الإسلام ، ازدادت مكانة اللغة العربية إذ نزل بها القرآن الكريم ، فكان معجزة خالدة ببلاغته وفصاحته وبيانه العميق .
وبعد الفتوحات الإسلامية ، اهتم العرب والمسلمون بتدوين قواعد اللغة العربية ، بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأمم، فوضعوا علوم النحو والصرف ، وألَّفوا الكتب التي ساعدت على حفظ اللغة ومفرداتها من الضياع والتغير ..
ثم اتسع انتشار اللغة العربية، فأصبحت لغة للعلم والأدب والمراسلات في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي ، واستمرّ حضورها حتى عصرنا الحالي ، فأصبحت من أشهر لغات العالم وأكثرها بلاغة ، كما أنها إحدى اللغات الرسمية في منظمة الأمم المتحدة ..
فـَـعزيزي القارئ ..
إن اللغة العربية أقدم مما نتخيل ، وأوسع مما نتوقع .. فهي لغة حضارة وهوية ورسالة خالدة .
وَ لذلك ينبغي لنا أن نسير على نهج رسولِنا الكريم - صل الله عليه وسلم - فنحافظ عليها ، ونعتز بها ، ونجعلها حاضرة في حديثنا وكتاباتنا .
ولكن يبقى السؤال ..
كيف نجعل اللغة العربية جزءاً من حياتنا اليومية .. ؟
وكيف نتقنها ، وهي تعد من أكثر لغات العالم ثراء ودقة ؟؟
هذا ما سنتعرف إليه في هذه المقالة ..
بداية ..
إن تعلم اللغة العربية ليس أمراً يحدث بين ليلة وضحاها ، بل هو رحلة تحتاج إلى الصبر ، والممارسة ، والاستمرار ... وكلما ازداد احتكاكك باللغة ، ازداد فهمك لها واتسعت حصيلتك اللغوية ، وأصبحت أكثر قدرة على التعبير بطلاقة .
ويقوم تعلم اللغة العربية على ثلاثة أركان أساسية :-
القراءة ، ثم الكتابة ، ثم مهارة الحديث .
وكل مهارة منها تبني ما بعدها ، لذلك لا يصح إهمال واحدة منها ! .
أولاً .. القراءة التحليلية .
تعد القراءة الخطوة الأولى في تعلم أي لغة ، فهي المفتاح الذي يفتح أبواب المفردات والأساليب والتراكيب .
اقرأ الكتب ، والمقالات ، والقصص ، والأبحاث ، ولا تجعل همك إنهاء عدد الصفحات ، بل احرص على فهم المعاني واستيعاب الأفكار .
اقرأ بهدوء ، وتأمل الكلمات الجديدة ، وابحث عن معانيها ، وحاول ملاحظة طريقة استخدامها في الجمل .
ومع مرور الوقت ، ستجد أن حصيلتك اللغوية تزداد ، وأن فهمك للنصوص أصبح أسهل وأكثر عمقاً .
ثانياً .. اختر ما يناسبك .
من أكثر الأسباب التي تجعل القارئ يفقد شغفه بالقراءة ، أن يختار كتبه بناء على ما يتداوله الناس في وسائل التواصل الاجتماعي ، أو على كثرة الإعجابات والمدح الذي تحظى به رواية معينة .
فليس كل كتاب نال شهرة يناسب جميع القراء
فما يعجب غيرك قد لا يعجبك ! ، وما يناسب قارئاً متمرساً قد لا يناسب من بدأ رحلته في القراءة .
وعندما يشتري القارئ كتاباً لا يوافق ميوله أو مستواه ، فقد يشعر بالملل أو يجد صعوبة في فهمه ، فيظن أن المشكلة في القراءة نفسها ، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاختيار ! .
لذلك .. احرص على اختيار الكتب التي تناسب اهتماماتك ومستواك اللغوي ، واجعل القراءة تجربة ممتعة .. فحب اللغة يبدأ من حب ما تقرؤه .
وهنا ننتهي من مرحلة اختيار الكتاب المناسب والمميز ، فالكتاب الذي يلائم اهتماماتك ومستواك هو أول طريق للاستمرار في القراءة .
وبالنسبة لي فقد قرأت أكثر من عشرين كتاباً حتى أصبحت ممارسة اللغة أمراً أعتاد عليه بشكل شبه يومي ، وأصبحت الكلمات والتراكيب الجديدة أكثر قرباً وسهولة .
وبعد ذلك ننتقل إلى المرحلة الثالثة ..
حول ما تقرؤه إلى كلمات ..
ابدأ بالتدوين ، واكتب خواطر قصيرة تعبر فيها عن يومك وأفكارك باللغة العربية .. لا تهتم بالأخطاء والهفوات الصغيرة في البداية .. فكل خطأ هو درس جديد ، وكل محاولة تقرّبك أكثر من إتقان اللغة .
ودون الكلمات العميقة أو الجديدة التي تجد صعوبة في تذكر معانيها ، وابحث عنها ، ثم حاول استخدامها في جمل من إنشائك .. فالكلمة التي نستخدمها تصبح جزءاً من حصيلتنا اللغوية .
رابعاً .. الاستماع إلى العربية الفصيحة .
وَ بما أننا نعيش في عصر التكنولوجيا والتطور ، فقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى ، وأصبحت وسائل تعلم اللغة متاحة للجميع ..
لذلك ، احرص في أوقات فراغك على تنمية لغتك بالاستماع إلى القرآن الكريم بتدبر ، فهو أسمى نماذج الفصاحة والبلاغة ! .. ويمكنك أيضاً متابعة الخطب والمحاضرات والبرامج التي تُقدم باللغة العربية الفصيحة ، حتى تعتاد أذنك على الأسلوب الصحيح ، وتتحسن قدرتك على النطق والتعبير .
ومن أفضل ما يمكن الاستماع إليه .. قصص الأنبياء ، فهي تجمع بين جمال الأسلوب ، وسهولة الفهم ، و عِـظَم الفائدة ، فتزيد حصيلتك اللغوية .. وتثري معرفتك في الوقت نفسه .
خامساً .. الممارسة وجعل اللغة جزءاً من حياتنا.
بعد القراءة ، الكتابة ، والاستماع ، تأتي أهم مرحلة .. وهي الممارسة ، فاللغة لا تتقن بالحفظ وحده ، بل بالاستخدام المستمر .
اجعل اللغة العربية جزءاً من يومك ، وحاول أن تدخلها في حديثك بأسلوب طبيعي وسلس ..
ومن الطرق المفيدة أن تشغل مقطع فيديو ، ثم تتحدث عنه ارتجالاً .. أو تصف ما شاهدته بكلماتك الخاصة ، أو تتحدث عن يومك أو عن موضوع تحبه باللغة العربية الفصحى .
ولا بأس بالأخطاء أو التوقف لإعادة صياغة الجملة فكل متحدثٍ بارع بدأ يوماً بمحاولات بسيطة ..
أما القواعد .. فلا تجعلها أول ما يشغلك ، فمع كثرة القراءة ، والاستماع ، والكتابة ، ستعتاد الأساليب الصحيحة .. وتصبح كثير من القواعد مألوفة لديك دون عناء ، ثم يأتي تعلمها نظرياً ليُـرسِّـخ ما اكتسبته بالممارسة .
ومن أكثر ما يثري حصيلتك اللغوية :-
الشعر ، ثم الشعر ، ثم الشعر .. فهو من أرقى فنون العربية ! وأغزرها بالمفردات ، وأبلغها في التعبير وأجملها في التصوير البياني ..
فاحفظ أبياتاً من الشعر ، واقرأها يومياً ، وتأمل معانيها وألفاظها .
ولا تنسَ أن الصبر هو مفتاح الإتقان فاللغة لا تـُـنال في يوم أو ليلة وإنما بالمثابرة والاستمرار .
اللغة العربية كنز المسلمين ، ولسان حضارتهم ، وتاريخهم العريق ، وبلاغة ينبغي أن نحافظ عليها ونعتز بها ..
وكما قال الصحابي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ..
" تـَـعلموا العربية ؛ فـَـإنها من دينكم "
وَ في الختام .. أتمنى لكم رحلة ممتعة ومثمرة في تعلم ا
للغة العربية وإتقانها ..
فبالعلم والصبر والمثابرة تصنع الفصاحة وتزدهر لغة الضاد في قلوبنا وألسنتنا .




